قصور منسية (24).. قصر الأمير يوسف كمال.. جمال يخنقه معهد بحوث الصحراء
رمز لنمط عمارة ساد، وظروف عصر خال، وثقافة مجتمع تقلبت عليها السنوات، لكنها ظلت تحمل شيئا من توقيعه، لا يزال محفورا في ومضة هنا أو أخرى هناك. تلك القصور ما هي إلا تاريخ لم تطوه كتب أو مجلدات، فلا يزال حيا نابضا يثبت أنه أقوى من كل محاولات العبث التي بدأت بعشوائية المصادرات ومحو أسماء أصحاب القصور من فوق قصورهم، ولافتات الشوارع التي حملت يوما أسماءهم تخليدا لدور قدموه للوطن أو خدمة جليلة قاموا بها لنهضة مجتمعهم.
في سلسلة"قصور منسية" تستعرض"الشروق" خلال شهر رمضان الكريم، قصصا لقصور مصر المنسية، استنادا إلى كتاب"قصور مصر" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للباحثة سهير عبدالحميد، والذي يتناول قصص وحكايات وراء أشهر القصور المصرية.داخل المطرية، يظهر قصر الأمير يوسف كمال المحاصر ببنايات تتنافى مع المكان وتشوهه أقامها معهد بحوث الصحراء الذي يحتل مبنى القصر منذ زمن، وإلى جانب إهمال قيمته المعمارية وعدم تسجيله كأثر، فقد انتهك كوقف خصصه الأمير يوسف كمال لدار الآثار العربية وذهب إلى وزارة الزراعة في مخالفة صريحة لمبدأ . هذا إلى جانب كارثة أخرى قد تؤدي إلى غرق القصر في مياه الصرف الصحي؛ حيث تتدفق عليه يوميًّا من جميع أحياء المطرية لتتجمع حوله باعتباره أقل مناطق الحي منسوبًا على الرغم من سداد إدارة المركز مبلغ 60 ألف جنيه لهيئة الصرف الصحي لعلاج المشكلة.قصر الأمير يوسف كمال بالمطرية هو أحد عدة منشآت تخص الأمير في مصر نتيجة اتساع وتعدد أماكن تفتيشه، فنجد في الصعيد قصرين؛ أحدهما بنجع حمادي والآخر بأرمنت، وبالإسكندرية فيلا بشوش وأخرى باستانلي مستغلة حاليًّا كمتحف بحري ومقر للآثار الغارقة وله عمارة كبيرة بالمنشية. أما قصر المطرية فقد أقامه الأمير في أطراف مدينة القاهرة، كما كان سائًدا في بداية القرن العشــريـــن الاتجـاه إلى الشمــال الشــرقي لمدينـــة القاهرة: مصر الجديدة والمطرية؛ ولذا كان القصر في تلك الفترة تجاوره عدة فيلات ويقابله من الجهة الغربية قصر الأمير وحيد الدين سليم.بدأ بناء القصر عام 1908م وانتهى عام 1910م وصممه المعماري المشهور «لاشياك» وزخرفه المهندس الإيطالي «نيانكي» وبني القصر على مساحة 14 فدانًا، وكان به باب صغير يفضي إلى محطة قطار المطرية «المترو حاليًّا»، أما إلى شمال القصر فقد حرص المعماري ألا يكون به أي بناء حتى تظل واجهته مهيبة أمام المارة. وأهم قاعات القصر توجد بالطابق العلوي، أولها القاعة الرئيسية التي غطيت حوائطها بالقطيفة الحمراء اللون ذات الزخارف النباتية المتكررة، وعلى أحدها رسمت لوحة ضخمة للأمير وهو يمتطي صهوة جواده مع حاشيته وأمامه عدد من كلاب الصيد، قاعة الطعام ثرية بأعمال الرخام والفسيفساء والزجاج المعشق بالرصاص والسقف الخشبي، وفي هذا الطابق مكتبتان مهمتان؛ إحداهما غربية والأخرى شرقية. أما القاعة الإسلامية فهي من أروع الأماكن بالقصر، وهي بمفردها جديرة وكافية لتسجيل القصر كأثر؛ إذ يوجد بها بلاطات خزفية عثمانية وفسيفساء رخامية قديمة منقولة من أثر عربي قديم، وهناك شرائط كتابية تحيط بسقف الغرفة تبين لنا تاريخ هذه اللوحات الفنية الرائعة من البلاطات الخزفية العثمانية المنقولة من آثار قديمة بألوانها الزرقاء والخضراء والأحمر «المرجاني»، والفسقية القديمة ذات الكتابات الدعائية والتاريخية. ولا يختلف الطابق الثاني في قاعاته عن نظيره الأول؛ فمن القاعات ما تغطي جدرانه القطيفة الحمراء وأخرى الزرقاء، وبه قاعتان ذات أرضية رخامية رائعة بها بقايا مواسير نحاسية وبانيوهات تم انتزاعها لتحتل أماكنها مكاتب موظفي المركز، إلا أنه توجد بهذا الطابق قاعة نادرة مغطى جدرانها بخشب ذي رسوم يابانية صينية من الزهور وحيوان التنين الأسطوري. ولهذا القصر ملاحقه العديدة منها أماكن سكنى الخدم وإسطبل خيل وأكشاك للنباتات وصوبة زجاجية كبيرة، وبنيت الاستراحات على شكل طابق أرضي وبدروم، وتناثر في حديقة القصر أكشاك النباتات ونافورة من الرخام واستراحة على النمط الإفريقي تعكس ذوق الأمير المغرم بالصيد والرحلات.وبصفة عامة نجد شعار الأمير منفذًا على المشغولات الحديدية والفسيفساء، وهو حرفا الياء والكاف المتكرران من اليمين إلى الشمال والعكس بشكل متداخل، وهو أسلوب معهود في الأسرة العلوية من أخذ الأحرف الأولى من أسمائهم مثل الملك فؤاد حرف F والأمير سعيد حليم S، إلا أن الأمير يوسف كمال استخدم الأحرف العربية بدلاً من الإنجليزية، ورغم الحالة الإنشائية الجيدة للقصر، فقد تأخر كثيًرا تسجيله كأثر.
